فصل: تفسير الآيات رقم (42- 44)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏27‏)‏ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏28‏)‏ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏اتل‏}‏ معناه اسرد وأسمعهم إياه، وهذه من علوم الكتب الأول التي لا تعلق لمحمد صلى الله عليه وسلم بها إلا من طريق الوحي، فهو من دلائل نبوته، والضمير في ‏{‏عليهم‏}‏ ظاهر أمره أنه يراد به بنو إسرائيل لوجهين‏:‏ أحدهما أن المحاورة فيما تقدم إنما هي في شأنهم وإقامة الحجج عليهم بسبب همهم ببسط اليد إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني أن علم ‏{‏نبأ ابني آدم‏}‏ إنما هو عندهم وفي غامض كتبهم، وعليهم تقوم الحجة في إراده والنبأ الخبر‏.‏ و«ابنا آدم» هم في قول جمهور المفسرين لصلبه‏.‏ وهما قابيل وهابيل، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري «ابنا آدم» ليسا لصلبه ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب، والصحيح قول الجمهور وروي أن تقريبهما للقربان إنما كان تحنثاً وتطوعاً‏.‏ وكان قابيل صاحب زرع فعمد إلى أرذل ما عنده وأدناه فقربه، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أفضل كباشه فقربه، وكانت العادة حينئذ أن يقرب المقرب قربانه ويقوم يصلي ويسجد، فإن نزلت نار وأكلت القربان فذلك دليل للقبول وإلا كان تركه دليل عدم القبول، فلما قرب هذان كما ذكرت فنزلت النار وأخذت كبش هابيل فرفعته وسترته عن العيون وتركت زرع قابيل، قال سعيد بن جبير وغيره‏:‏ فكان ذلك الكبش يرتع في الجنة حتى أهبط إلى إبراهيم في فداء ابنه، قال سائقو هذا القصص، فحسد قابيل هابيل وقال له‏:‏ أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني‏؟‏ وكان قابيل أسن ولد «آدم»‏.‏ وروي أن «آدم» سافر إلى مكة ليرى الكعبة وترك قابيل وصياً على بنيه فجرت هذه القصة في غيابه، وروت جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود‏:‏ أن سبب هذا التقريب أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى فكان الذكر يزوج أنثى البطن الآخر، ولا تحل له أخته توأمته، فولدت مع قابيل أخت جميلة، ومع هابيل أخت ليست كذلك فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل‏:‏ أنا أحق بأختي، فأمره «آدم» فلم يأتمر، فاتفقوا على التقريب، وروي أن آدم حضر ذلك فتقبل قربان هابيل ووجب أن يأخذ أخت قابيل، فحينئذ قال له ‏{‏لأقتلنك‏}‏ وقوله هابيل‏:‏ ‏{‏إنما يتقبل الله من المتقين‏}‏ كلام قبله محذوف تقديره ولم تقتلني وأنا لم أجنِ شيئاً ولا ذنب لي في قبول الله قرباني‏؟‏ أما إني اتقيته وكنت على لاحب الحق‏.‏ و‏{‏إنما يتقبل الله من المتقين‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق‏:‏ وإجماع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ إنها اتقاء الشرك، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والحتم بالرحمة، علم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلاًن وقال عدي بن ثابت وغيره‏:‏ قربان متقي هذه الأمة الصلاة‏.‏

واختلف الناس لم قال هابيل‏:‏ ‏{‏ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك‏}‏‏؟‏ فقال مجاهد‏:‏ كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفاً وأن لا يمتنع من أريد قتله‏.‏‏.‏ وقال عبد الله بن عمرو وجمهور الناس‏:‏ كان هابيل أشد قوة من قابيل، ولكنه تحرج‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا هو الأظهر، ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافراً لم يكن للتحرج وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحداً ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك‏}‏ الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوماً سيستنصر الله لي في الآخرة، وتبوء معناه تمضي متحملاً‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بإثمي وإثمك‏}‏ قيل معناه‏:‏ بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك، وقيل المعنى‏:‏ بإثم قتلي وإثمك في العداء علي إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم ولو لم ينفذ القتل، وقيل المعنى‏:‏ بإثمي إن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول‏؟‏ قال‏:‏ إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»، فكأن هابيل أراد‏:‏ أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي، وقيل المعنى‏:‏ بإثمي الذي يختص لي فيما فرط لي أي يؤخذ من سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي «تبوء بإثمك» في قتلي وهذا تأويل يعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم تكن له حسنات خذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذلك جزاء الظالمين‏}‏ يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 31‏]‏

‏{‏فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏30‏)‏ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

قراءة الجمهور ‏{‏فطوعت‏}‏ والمعنى أن القتل في ذاته مستصعب عظيم على النفوس، فردته هذه النفس اللجوجة الأمارة بالسوء طائعاً منقاداً حتى واقعة صاحب هذه النفس، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجراح والحسن بن عمران وأبو واقد «فطاوعت» والمعنى كأن القتل يدعو إلى نفسه بسبب الحقد والحسد الذي أصاب قابيل، وكأن النفس تأبي لذلك ويصعب عليها، وكل جهة تريد أن تطيعها الأخرى، إلى أن تفاقم الأمر وطاوعت النفس القتل فواقعته، وروي أنه التمس الغرة في قتله حتى وجده نائماً في غنمه فشدخ رأسه بحجر، وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل وروي أنه لما انصرف قابيل إلى آدم قال له أين هابيل قال لا أدري كأنك وكلتني بحفظه فقال له آدم أفعلتها والله إن دمه ليناديني من الأرض، اللهم العن أرضاً شربت دم هابيل، فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دماً، ثم أن آدم صلى الله عليه وسلم بقي مائة عام لم يبتسم حتى جاء ملك فقال له حياك الله يا آدم وبياك فقال آدم‏:‏ ما بياك‏؟‏ قال أضحكك‏.‏ ويروى أن آدم عليه السلام قال حينئذ‏:‏

تغيرت البلادُ ومن عليها *** فوجه الأرض مغبرٌّ قبيح

تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح

وكذا هو الشعر بنصب بشاشة وكف التنوين، وروي عن مجاهد أنه قال علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت عليه حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأصبح من الخاسرين‏}‏‏:‏ ومن خسرانه ما روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال إنّا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم، ومن خسرانه ما ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، وذلك أنه أول من سن القتل» وقوله‏:‏ ‏{‏فأصبح‏}‏ عبارة عن جميع أوقاته أقيم بعض الزمن مقام كله، وخصّ الصباح بذلك لأنه بدء النهار والانبعاث إلى الأمور ومطية النشاط، ومنه قول الربيع بن ضبع‏:‏

أصبحت لا أحمل السلاح *** البيت،

ومنه قول سعد بن أبي وقاص، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، إلى غير ذلك من استعمال العرب لما ذكرناه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه‏}‏ روي في معناه أن قابيل جعل أخاه في جراب ومشى به يحمله في عنقه مائة عام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

جمهور الناس على أن قوله‏:‏ ‏{‏من أجل ذلك‏}‏ متعلق بقوله ‏{‏كتبنا‏}‏ أي بسبب هذه النازلة ومن جراها كتبنا، وقال قوم‏:‏ بل هو متعلق بقوله ‏{‏من النادمين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 31‏]‏ أي ندم من «أجل» ما وقع، والوقف على هذا على ذلك، والناس على أن الوقف ‏{‏من النادمين‏}‏ ويقال أجل الأمر أجلاً وأجلاً إذا جناه وجره، ومنه قول خوات‏:‏

وأهل خباء صالح ذات بينهم *** قد احتربوا في عاجل أنا آجله

ويقال فعلت ذلك من أجلك بفتح الهمزة ومن إجلك بكسرها، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ذلك بوصل الألف وكسر النون قبلها، وهذا على أن ألقى حركة الهمزة على النون كما قالوا كم ابلك بكسر الميم ووصل الألف‏.‏‏.‏ ومن ابراهيم بكسر النون و‏{‏كتبنا‏}‏ معناه كتب بأمرنا في كتب منزلة عليهم تضمنت فرض ذلك، وخص الله تعالى‏:‏ ‏{‏بني إسرائيل‏}‏ بالذكر وقد تقدمتهم أمم كان قتل النفس فيهم محظوراً لوجهين، أحدهما فيما روي أن ‏{‏بني إسرائيل‏}‏ أو أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب، وغلظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم وسكفهم الدماء، والآخر لتلوح مذمتهم في أن كتب عليه هذا وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون بل همّوا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ظلماً، فخصوا بالذكر لحضورهم مخالفين لما كتب عليهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بغير نفس‏}‏ معناه بغير أن تقتل نفساً فتستحق القتل، وقد حرم الله تعالى نفس المؤمن إلا بإحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس ظلماً تعدياً‏.‏ وهنا يندرج المحارب، والفساد في الأرض بجميع الزنا والارتداد والحرابة، وقرأ الحسن «أو فساداً في الأرض» بنصب الفساد على فعل محذوف وتقديره أو أتى فساداً أو أحدث فساداً، وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكأنما قتل الناس جميعاً‏}‏ اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه، فروي عن ابن عباس أنه قال المعنى من قتل نبياً إو إمام عدل ‏{‏فكأنما قتل الناس جميعاً‏}‏ ومن أحياه بأن شد عضده ونصره ‏{‏فكأنما أحيا الناس جميعاً‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا قول لا تعطيه الألفاظ، وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال‏:‏ المعنى من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً‏.‏ ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها مخافتي واستحياها أن يقتلها فهو كمن أحيا الناس جميعاً‏.‏ وقال عبد الله بن عباس أيضاً، المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً إذ يصلي النار بذلك ومن سلم من قتلها فكأنه سلم من «قتل الناس جميعاً»، وقال مجاهد الذي يقتل الناس جميعاً إذ يصلى النار بذلك جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً، يقول لو «قتل الناس جميعاً» لم يزد على ذلك‏.‏

ومن لم يقتل أحداً فقد حيي الناس منه، وقال ابن زيد المعنى أي من قتل نفساً فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من «قتل الناس جميعاً»‏.‏ قال ومن أحياها أنقذها من حرق أو غرق، وقال قوم لما كان المؤمنون كلهم يطلبون القاتل كان كمن قتل الناس جميعاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا قول متداع ولم يتخلص التشبيه إلى طرف في شيء من هذه الأقوال، والذي أقول إن الشبه بين قاتل النفس وقاتل الكل لا يطرد من جميع الجهات، لكن الشبه قد تحصل من ثلاث جهات، إحداها القود فإنه واحد، والثانية الوعيد، فقد توعد الله قاتل النفس بالخلود في النار، وتلك غاية العذاب، فإن فرضناه يخرج من النار بعد بسبب التوحيد فكذلك قاتل الجميع ان لو اتفق ذلك، والثالثة انتهاك الحرمة، فإن نفساً واحدة، في ذلك وجميع الأنفس سواء، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع، ومثال ذلك رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئاً، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته وطعم الآخر ثمر شجرته كله، فقد استويا في الحنث، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أحياها‏}‏ فيه تجوز لأنها عبارة عن الترك والإنقاذ فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى‏.‏ وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمرود، أنا أحيي، سمى الترك إحياء، ومحيي نفس كمحيي الجميع في حفظ الحرمة واستحقاق الحمد، ثم أخبر الله تعالى عن «بني إسرائيل» أنهم جاءتهم الرسل من الله بالبينات في هذا وفي سواه، ثم لم يزل الكثير منهم بعد ذلك في كل عصر يسرفون ويتجاوزون الحدود، وفي هذه الآية إشارة إلى فعل اليهود في همهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره إلى سائر ذلك من أعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 34‏]‏

‏{‏إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏33‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏34‏)‏‏}‏

اقتضى المعنى في هذه الآية كون ‏{‏إنما‏}‏ حاصرة الحصر التام، واختلف الناس في سبب هذه الآية، فروي عن ابن عباس والضحاك أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويشبه أن تكون نازلة بني قريظة حين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عكرمة، والحسن‏:‏ نزلت الآية في المشركين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفي هذا ضعف، لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال، وقال أنس بن مالك وجرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهم‏:‏ إن الآية نزلت في قوم من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا ثم إنهم مرضوا واستوخموا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا في لقاح الصدقة، وقال اشربوا من ألبانها وأبوالها‏.‏ فخرجوا فيها فلما صحوا قتلوا الرعاء واستاقوا الإبل فجاء الصريخ فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر فنودي في الناس يا خير الله اركبي، فركب رسول الله على أثرهم فأخذوا، وقال جرير بن عبد الله فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى إذا أدركناهم، وقد أشرفوا على بلادهم فجئنا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال جميع الرواة فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، ويروى وسمل، وتركهم في جانب الحرة يستسقون فلا يسقون، وفي حديث جرير، فكانوا يقولون الماء ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ النار، وفي بعض الروايات عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعدما قتلهم، قال أبو قلابة، هؤلاء كفروا وقتلوا وأخذوا الأموال وحاربوا الله ورسوله، وحكى الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ووقفت الأمر على هذه الحدود، وقال بعضها وجعلها الله عتاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم على سمل الأعين، وحكي عن جماعة من أهل العلم أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل لأن ذلك وقع في المرتدين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لا سيما وفي بعض الطرق أنهم سملوا أعين الرعاة قالوا، وهذا الآية هي في المحارب المؤمن، وحكى الطبري عن السدي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ناهية عن ذلك‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا قول ضعيف تخالفه الروايات المتظاهرة، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، واختلفوا فيمن هو الذي يستحق اسم الحرابة، فقال مالك بن أنس رحمه الله، المحارب عندنا من حمل على الناس السلاح في مصر أو برية فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة، وقال بهذا القول جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل العلم، لا يكون المحارب إلا القاطع على الناس في خارج الأمصار، فأما في المصر فلا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ يريدون أن القاطع في المصر يلزمه حد ما اجترح من قتل أو سرقة أو غصب ونحو ذلك والحرابة رتب أدناها إخافة الطريق فقط لكنها توجب صفة الحرابة، ثم بعد ذلك أن يأخذ المال مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يقتل مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يجمع ذلك كله، فقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء‏:‏ في أي رتبة كان المحارب من هذه الرتب فالإمام مخير فيه في أن يعاقبه بما رأى من هذه العقوبات، واستحسن أن يأخذ في الذي لم يقتل بأيسر العقوبات‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لا سيما إن كانت زلة ولم يكن صاحب شرور معروفة، وأما إن قتل فلا بد من قتله، وقال ابن عباس رضي الله عنه والحسن وأبو مجلز وقتادة وغيرهم من العلماء بل لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب، فمن أخاف الطرق فقط فعقوبته النفي، ومن أخذ المال ولم يقتل فعقوبته القطع من خلاف‏.‏ ومن قتل دون أخذ مال فعقوبته القتل، ومن جمع الكل قتل وصلب، وحجة هذا القول أن الحرابة لا تخرج عن الإيمان ودم المؤمن حرام إلا بإحدى ثلاث‏:‏ ارتداد أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس، فالمحارب إذا لم يقتل فلا سبيل إلى قتله، وقد روي عن ابن عباس والحسن أيضاً وسعيد بن المسيب وغيرهم مثل قول مالك‏:‏ إن الإمام مخير، ومن حجة هذا القول أن ما كان في القرآن «أو‏.‏ أو»، فإنه للتخيير، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ففدية من صيام أوصدقة أو نسك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏ وكآية كفارة اليمين وآية جزاء الصيد‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ورجح الطبري القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم المحارب وقول مالك أسد للذريعة وأحفظ للناس والطرق، والمخيف في حكم القاتل ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحساناً، وذكر الطبري عن أنس بن مالك أنه قال سأل رسول الله جبريل عليهما السلام عن الحكم في المحارب، فقال‏:‏ من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ، ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وبقي النفي للمخيف فقط، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يحاربون الله‏}‏ تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة، وقيل التقدير يحاربون عباد الله، ففي الكلام حذف مضاف، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويسعون في الأرض فساداً‏}‏ تبيين للحرابة أي‏:‏ ويسعون بحرابتهم، ويحتمل أن يكون المعنى ويسعون فساداً منضافاً إلى الحرابة، والرابط إلى هذه الحدود إنما هو الحرابة، وقرأ الجمهور «يقتّلوا، يصلّبوا، تقطّع» بالتثقيل في هذه الأفعال للمبالغة والتكثير، والتكثير هنا إنما هو من جهة عدد الذين يوقع بهم كالتذبيح في بني إسرائيل في قراءة من ثقل ‏{‏يذبّحون‏}‏ وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن «يقتلوا، ويصلبوا، تقطع» بالتخفييف في الأفعال الثلاثة، وأما قتل المحارب فبالسيف ضربة العنق، وأما صلبه فجمهور من العلماء على أنه يقتل ثم يصلب نكالاً لغيره، وهذا قول الشافعي، وجمهور من العلماء على أنه يصلب حياً ويقتل بالطعن على الخشبة، وروي هذا عن مالك وهو الأظهر من الآية وهو الأنكى في النكال، وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقطع اليد من الأصابع ويبقي الكف والرجل من نصف القدم ويبقى العقب واختلف العلماء في النفي فقال السدي‏:‏ هو أن يطلب أبداً بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حدّ الله ويخرج من دار الإسلام، وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ نفيه أن يطلب وقاله أنس بن مالك، وروي ذلك عن الليث ومالك بن أنس غير أن مالكاً قال‏:‏ لا يضطر مسلم إلى دخول دار الشرك، وقال سعيد بن جبير‏:‏ النفي من دار الإسلام إلى دار الشرك، وقالت طائفة من العلماء منهم عمر بن عبد العزيز‏:‏ النفي في المحاربين أن ينفوا من بلد إلى غيره مما هو قاص بعيد، وقال الشافعي‏:‏ ينفيه من عمله، وقال أبو الزناد‏:‏ كان النفي قديماً إلى دهلك وباضع وهما من أقصى اليمن، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة‏:‏ النفي في المحاربين السجن فذلك إخراجهم من الأرض‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والظاهر أن ‏{‏الأرض‏}‏ في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه حديث الذي ناء بصدر، نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحاً، وهذا هو صريح مذهب مالك‏:‏ أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الراجح لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإذا تاب وفهم حاله سرح وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك لهم الخزي‏}‏ إشارة إلى هذه الحدود التي توقع بهم، وغلظ الله الوعيد في ذنب الحرابة بأن أخبر أن لهم في الآخرة عذاباً عظيماً مع العقوبة في الدنيا، وهذا خارج عن المعاصي الذي في حديث عبادة بن الصامت في قول النبي صلى الله عليه وسلم،

«فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو له كفارة»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب، والخزي في هذه الفضيحة والذل والمقت‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم‏}‏ استثنى عز وجل التائب قبل أن يقدر عليه وأخبر بسقوط حقوق الله عنه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعلموا أن الله غفور رحيم‏}‏ واختلف الناس في معنى الآية فقال قتادة والزهري في كتاب الأشراف‏:‏ ذلك لأهل الشرك‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ من حيث رأيا الوعيد بعد العقاب، وهذا ضعيف، والعلماء على أن الآية في المؤمنين وأن المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه فقط سقط عنه حكم الحرابة ولا نظر للإمام فيه إلا كما ينظر في سائر المسلمين، فإن طلبه أحد بدم نظر فيه وأقاد منه إذا كان الطالب ولياً، وكذلك يتبع بما وجد عنده من مال الغير وبقيمة ما استهلك من الأموال، هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ذكره ابن المنذر، وقال قوم من الصحابة والتابعين‏:‏ إنه لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده بعينه، وأما ما استهلك فلا يطلب به، وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان محارباً ثم تاب قبل القدرة عليه فكتب له بسقوط الأموال والدم كتاباً منشوراً، وحكى الطبري عن عروة بن الزبير أنه قال‏:‏ لا تقبل توبة المحارب، ولو قبلت لاجترؤوا وكان فساد كثير ولكن لو فر إلى العدو ثم جاء تائباً لم أر عليه عقوبة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لا أدري هل أراد ارتد أم لا، وقال الأوزاعي نحوه إلا أنه قال‏:‏ إذا لحق بدار الحرب فارتد عن الإسلام أبو بقي عليه ثم جاء تائباً من قبل أن يقدر عليه قبلت توبته‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والصحيح من هذا كله مذهب الفقهاء الذي قررته آنفاً أن حكم الحرابة يسقط ويبقى كسائر المسلمين، واختلف إذا كان المال أقل مما يقطع فيه السارق، فقال مالك‏:‏ ذلك كالكثير، وقال الشافعي وأصحاب الرأي‏:‏ لا يقطع من المحاربين إلا من أخذ ما يقطع فيه السارق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 37‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏35‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏36‏)‏ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ‏(‏37‏)‏‏}‏

هذه الآية وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعظ لأنه يرد على النفوس وهي خائفة وجلة، وعادة البشر إذا رأى وسمع أمر ممتحن ببشيع المكاره أن يرق ويخشع، فجاء الوعظ في هذه الحال، ‏{‏ابتغوا‏}‏ معناه اطلبوا، و‏{‏الوسيلة‏}‏ القربة وسبب النجاح في المراد، ومن ذلك قول عنترة لامرأته‏:‏

إن الرجال لهم إليك وسيلة *** أن يأخذوك تكحلي وتخضبي

وأما الوسيلة المطلوبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فهي أيضاً من هذا، لأن الدعاء له بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ويتصف بهما ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود، ومن هذه اللفظة قول الشاعر‏:‏

إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا *** وعاد التصافي بيننا والوسائل

أنشده الطبري، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجاهدوا في سبيله‏}‏ خص الجهاد بالذكر لوجهين، أحدهما نباهته في أعمال البر وأنه قاعدة الإسلام، وقد دخل بالمعنى في قوله‏:‏ ‏{‏وابتغوا إليه الوسيلة‏}‏ ولكن خصه تشريفاً، والوجه الآخر أنها العبادة التي تصلح لكل منهي عن المحاربة وهو معدلها من حاله وسنه وقوته وشره نفسه، فليس بينه وبين أن ينقلب إلى الجهاد إلا توفيق الله تعالى‏.‏

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏ليفتدوا‏}‏ لام كي، وقرأ جمهور الناس «تُقُبل» بضم التاء والقاف على ما لم يسم فاعله، وقرأ يزيد بن قطيب «تَقَبل» بفتحها على معنى ما قبل الله‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يريدون‏}‏ إخبار عن أنهم يتمنون هذا في قلوبهم، وفي غير ما آية أنهم ينطقون عن هذه الإرادة، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ إذا فارت بهم النار قربوا من حاشيتها فحينئذ يريدون الخروج ويطعمون به وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يريدون أن يخرجوا من النار‏}‏ قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وقد تأول قوم هذه الإرادة أنها بمعنى يكادون على هذا القصص الذي حكى الحسن، وهذا لا ينبغي أن يتأول إلا فيما لا تتأتى منه الإرادة الحقيقة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يريد أن ينقض‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 77‏]‏ وأما في إرادة بني آدم فلا إلا على تجوز كثير، وقرأ جمهور الناس «يَخرُجوا» بفتح الياء وضم الراء وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي «يُخَرجوا» بضم الياء وفتح الراء، وأخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد، وحكى الطبري عن نافع بن الأزرق الخارجي أنه قال لابن عباس يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً «يخرجون من النار» وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما هم بخارجين منها‏}‏ فقال له ابن عباس‏:‏ ويحك اقرأ ما فوقها، هذه الآية في الكفار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏38‏)‏‏}‏

قرأ جمهور القراء «والسارقُ والسارقةُ» بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر وإبراهيم بن أبي عبلة «والسارقَ والسارقَةَ» بالنصب، قال سيبويه رحمه الله الوجه في كلام العرب النصب كما تقول زيداً اضربه، ولكن أبت العامة إلا الرفع يعني عامة القراء وجلهم، قال سيبويه الرفع في هذا وفي قوله‏:‏ ‏{‏الزانية والزاني‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 2‏]‏ وفي قول الله‏:‏ ‏{‏واللذان يأتيانها منكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 16‏]‏ هو على معنى فيما فرض عليكم‏.‏ والفاء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقطعوا‏}‏ ردت المستقل غير مستقل، لأن قوله فيما فرض عليكم السارق جملة حقها وظاهرها الاستقلال، لكن المعنى المقصود ليس إلا في قوله‏:‏ ‏{‏فاقطعوا‏}‏ فهذه الفاء هي التي ربطت الكلام الثاني بالأول وأظهرت الأول هنا غير مستقل، وقال أبو العباس المبرد وهو قول جماعة من البصريين، اختار أن يكون «والسارقُ والسارقةُ» رفعاً بالابتداء لأن القصد ليس إلى واحد بعينه فليس هو مثل قولك، زيداً فاضربه إنما هو كقولك من سرق فاقطع يده، قال الزجاج وهذا القول هو المختار‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ أنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين، وقرأ عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم»، وقال الخفاف‏:‏ وجدت في مصحف أبي بن كعب «والسُّرَّق والسُّرَّقة» هكذا ضبطا بضم السين المشددة وفتح الراء المشددة فيهما هكذا ضبطهما أبو عمرو‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويشبه أن يكون هذا تصحيفاً من الضابط لأن قراءة الجماعة إذا كتب «السارق» بغير ألف وافقت في الخط هذه، وأخذ ملك الغير يتنوع بحسب قرائنه، فمنه الغصب وقرينته علم المغصوب منه وقت الغصب أو علم مشاهد غيره، ومنه الخيانة وقرينتها أن الخائن قد طرق له إلى المال بتصرف ما ومنه السرقة وقرائنها أن يؤخذ مال لم يطرق إليه على غير علم من المسروق ماله وفي خفاء من جميع الناس فيما يرى السارق، وهذا هو الذي يجب عليه القطع وحده من بين أخذة الأموال لخبث هذا المنزع وقلة العذر فيه، وحاط الله تعالى البشر على لسان نبيه بأن القطع لا يكون إلا بقرائن، منها الإخراج من حرز، ومنه القدر المسروق على اختلاف أهل العلم فيه، ومنها أن يعلم السارق بتحريم السرقة، وأن تكون السرقة فيما يحل ملكه، فلفظ ‏{‏السارق‏}‏ في الآية عموم معناه الخصوص، فأما القدر المسروق فقالت طائفة لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً قال به عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي وعائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور، وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «القطع في ربع دينار فصاعداً» وقال مالك رحمه الله‏:‏ تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهي ربع دينار لانحطاط الصرف لم يقطع وكذلك العروض لا يقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قطع فيها قل الصرف أو كثر، وفي القطع قول رابع وهو أن لا قطع إلا في خمسة دراهم أو قيمتها، روي هذا عن عمر، وبه قال سليمان بن يسار وابن ابي ليلى وابن شبرمة، ومنه قول أنس بن مالك‏:‏ قطع أبو بكر في مجنّ قيمته خسمة دراهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولا حجة في هذا على أن الخمسة حد وقال أبو حنيفة وأصحابه وعطاء‏:‏ لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري‏:‏ لا تقطع اليد في أقل من أربعة دراهم، وقال عثمان البتي‏:‏ تقطع اليد في درهمين فما فوقه، وحكى الطبري أن عبد الله بن الزبير قطع في درهم وروي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال‏:‏ تقطع اليد في كل ما له قيمة قل أو كثر على ظاهر الآية‏.‏ وقد حكى الطبري نحوه عن ابن عباس، وهو قول أهل الظاهر وقول الخوارج، وروي عن الحسن أيضاً أنه قال‏:‏ تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد فاتفق رأينا على درهمين وأكثر العلماء على أن التوبة لا تسقط عن السارق القطع، وروي عن الشافعي أنه إذا تاب قبل أن يقدر عليه وتمتد إليه يد الأحكام فإن القطع يسقط عنه قياساً على المحارب، وجمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز، وقال الحسن بن أبي الحسن إذا جمع الثياب في البيت قطع وإن لم يخرجها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقطعوا أيديهما‏}‏ جمع الأيدي من حيث كان لكل سارق يمين واحدة وهي المعرضة للقطع في السرقة أولاً فجاءت للسراق أيد وللسارقات أيد، فكأنه قال اقطعوا أَيمان النوعين فالتثنية في الضمير إنما هي للنوعين‏.‏ قال الزجاج عن بعض النحويين، إنما جعل تثنية ما في الإنسان منه واحد جمعاً كقوله‏:‏ ‏{‏صنعت قلوبكما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 4‏]‏ لأن أكثر أعضائه فيه منه اثنان فحمل ما كان فيه الواحد على مثال ذلك قال أبو إسحاق‏:‏ وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ولفظ به على لفظ الجمع لأن الإضافة تبينه‏.‏ فإذا قلت أشبعت بطونهما علم أن للاثنين بطنين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ كأنهم كرهوا اجتماع تثنيتين في كلمة‏.‏

واختلف العلماء في ترتيب القطع، فمذهب مالك رحمه الله وجمهور الناس أن تقطع اليمنى من يد السارق ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ثم إن عاد قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عزر وحبس، وقال علي بن أبي طالب والزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل‏:‏ تقطع يده اليمنى ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى ثم إن سرق عزر وحبس‏.‏

وروي عن عطاء بن أبي رباح‏:‏ لا تقطع في السرقة إلا اليد اليمنى فقط ثم إن سرق عزر وحبس‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تمسك بظاهر الآية، والقول شاذ فيلزم على ظاهر الآية أن تقطع اليد ثم اليد‏.‏ ومذهب جمهور الفقهاء أن القطع في اليد من الرسغ وفي الرجل من الفصل، وروي عن علي بن أبي طالب أن القطع في اليد من الأصابع وفي الرجل من نصف القدم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏جزاء بما كسبا‏}‏ نصبه على المصدر، وقال الزجاج مفعول من أجله‏.‏ وكذلك‏:‏ ‏{‏نكالاً من الله‏}‏ والنكال العذاب، والنكل القيد، وسائر معنى الآية بيّن وفيه بعض الإعراب حكاية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 40‏]‏

‏{‏فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏39‏)‏ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏40‏)‏‏}‏

المعنى عند جمهور أهل العلم أن من ‏{‏تاب‏}‏ من السرقة فندم على ما مضى وأقلع في المستأنف وأصلح برد الظلامة إن أمكنه إن أمكنه ذلك وإلا فبإنفاقها في سبيل الله ‏{‏وأصلح‏}‏ أيضاً في سائر أعماله وارتفع إلى فوق ‏{‏فإن الله يتوب عليه‏}‏ ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبين الله تعالى، وهو في المشيئة مرجو له الوعد وليس تسقط عنه التوبة حكم الدنيا من القطع إن اعترف أو شهد عليه وقال مجاهد‏:‏ التوبة والإصلاح هي أن يقام عليه الحد‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تشديد وقد جعل الله للخروج من الذنوب بابين أحدهما الحد والآخر التوبة، وقال الشافعي‏:‏ إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحاكم بأخذه فتوبته ترفع عنه حكم القطع قياساً على توبة المحارب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ألم تعلم‏}‏ الآية توقيف وتنبيه على العلة الموجبة لإنفاذ هذه الأوامر في المحاربين والسرقة والإخبار بهذا التعذيب لقوم والتوبة على آخرين وهي ملكه تعالى لجميع الأشياء، فهو بحق الملك لا معقب لحكمه ولا معترض عليه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الرسول‏}‏ الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين وبني إسرائيل، والمعنى قد وعدناك النصر والظهور عليهم ف ‏{‏لا يحزنك‏}‏ ما يقع منهم خلال بقائهم، وقرأ بعض القراء «يَحزُنك» بفتح الياء وضم الزاي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي وحزنته بفتحها وقرأ بعض القراء «يُحزِنك» بضم الياء وكسر الزاي لأن من العرب من يقول أحزنت الرجل بمعنى حزنته وجعلته ذا حزن، وقرأ الناس يسارعون‏.‏ وقرأ الحر النحوي «يسرعون» دون ألف ومعنى المسارعة في الكفر البدار إلى نصره وإقامة حججه والسعي في إطفاء الإسلام به واختلف المفسرون في ترتيب معنى الآية وفيمن المراد بقوله ‏{‏بأفواههم‏}‏ وفي سبب نزول الآية فأما سببها فروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن عباس وجماعة أنهم قالوا‏:‏ نزلت هذه الآية بسبب الرجم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وذلك أن يهودياً زنى بيهودية وكان في التوراة رجم الزناة، وكان بنو إسرائيل قد غيروا ذلك وردوه جلداً وتحميم وجوه، لأنهم لم يقيموا الرجم على أشرافهم وأقاموه على صغارهم في القدر فاستقبحوا ذلك وأحدثوا حكماً سووا فيه بين الشريف والمشروف، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زنى رجل من اليهود بامرأة فروي أن ذلك كان بالمدينة‏.‏ وروي أنه كان في غير المدينة في يهود الحجاز، وبعثوا إلى يهود المدينة وإلى حلفائهم من المنافقين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النازلة وطمعوا بذلك أن يوافقهم على الجلد والتحميم فيشتد أمرهم بذلك‏.‏

«فلما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهض في جملة من أصحابه إلى بيت المدارس فجمع الأحبار هنالك وسألهم عما في التوراة فقالوا إنا لا نجد فيها الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيها الرجم فانشروها» فنشرت ووضع أحدهم يده على آية الرجم‏.‏ فقال عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالرجم وأنفذه‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وفي هذا الحديث اختلاف ألفاظ وروايات كثيرة، منها أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «مر عليه يهودي ويهودية زنيا وقد جلدوا وحمما‏.‏ فقال هكذا شرعكم يا معشر يهود‏؟‏ فقالوا نعم، فقال لا، ثم مشى إلى بيت المدراس وفضحهم وحكم في ذينك بالرجم، وقال‏:‏ لأكونن أول من أحيا حكم التوراة حين أماتوه» وروي أن الزانيين لم يكونا بالمدينة، وأن يهود فدك هم الذين قالوا ليهود المدينة استفتوا محمداً فإن أفتاكم بما نحن عليه من الجلد والتجبيه فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا الرجم، قاله الشعبي وغيره، وقال قتادة بن دعامة وغيره سبب الآية وذكر اليهود أن بني النضير كانوا غزوا بني قريظة فكان النضري إذا قتله قرظي قتل به وإذا قتل نضري قرظياً أعطي الدية، وقيل كانت دية القرظي على نصف دية النضري، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة طلبت قريظة الاستواء إذ هم أبناء عم يرجعان إلى جد، وطلبت الحكومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت النضير بعضها لبعضٍ إن حكم بما كنا عليه فخذوه وإلا فاحذروا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه النوازل كلها وقعت ووقع غيرها مما يضارعها، ويحسن أن يكون سببها لفضيحة اليهود في تحريفهم الكلم وتمرسهم بالدين، والروايات في هذا كثيرة ومختلفة، وقد وقع في بعض الطرق في حديث أبي هريرة أنه قال في قصة الرجم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت مدراسهم ومنا معه وهذا يقتضي أن الأمر كان في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم لأن أبا هريرة أسلم عام خبير في آخر سنة ست من الهجرة، وقد كانت النضير أجليت وقريظة وقريش قتلت، واليهود بالمدينة لا شيء، فكيف كان لهم بيت مدراس في ذلك الوقت أو إن كان لهم بيت على حال ذلة فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج مع ظهور دينه إلى محاجتهم تلك المحاجة‏؟‏ وظاهر حديث بيت المدراس أنه كان في حكمهم من أيدي أحبارهم بالحجة عليهم من كتابهم فلذلك مشى إلى بيت مدراسهم مع قدرته عليهم، وهذا عندي يبعد لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى عنها صلى الله عليه وسلم، وأما اختلاف الناس فيمن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم‏}‏ فقال السدي‏:‏ نزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لبابة بن عبد المنذر أشارت إليه قريظة يوم حصرهم ما الأمر‏؟‏ وعلى ما نزل من الحكم‏؟‏ فأشار إلى حلقه أنه بمعنى الذبح‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا ضعيف وأبو لبابة من فضلاء الصحابة وهو وإن كان أشار بتلك الإشارة فإنه قال فوالله مازالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ثم جاء إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يبرح كذلك حتى يتوب الله عليه ويرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فإنما كانت تلك الإشارة منه زلة حمله عليها إشفاق ما على قوم كات بينه وبينهم مودة ومشاركة قديمة رضي الله عنه وعن جميع الصحابة، وقال الشعبي وغيره‏:‏ نزلت الآية في قوم من اليهود أرادوا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر جل منهم قتل آخر فكلفوا السؤال رجلاً من المسلمين وقالوا‏:‏ إن أفتى بالدية قبلنا قوله وإن أفتى بالقتل لم نقبل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا نحو ما تقدم عن قتادة في أمر قتل النضير وقريظة، وقال عبد الله بن كثير ومجاهد وغيرهما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم‏}‏ يراد به المنافقون‏.‏ وقوله بعد ذلك ‏{‏سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين‏}‏ يراد به اليهود، وأما ترتيب معنى الآية بحسب هذه الأقوال‏.‏ فيحتمل أن يكون المعنى يا أيها الرسول لا يحزنك المسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ويكون قوله‏:‏ ‏{‏سماعون‏}‏ خبر ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون المعنى لا يحزنك المسارعون في الكفر من اليهود ووصفهم بأنهم ‏{‏قالو آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم‏}‏ إلزاماً منه ذلك لهم من حيث حرفوا توراتهم وبدلوا أحكامها، فهم يقولون بأفواههم نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوها وجحدوا ما فيها من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما كفر بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا، ‏{‏وما أولئك بالمؤمنين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 42‏]‏، ويجيء على هذا التأويل قوله‏:‏ ‏{‏ومن الذين هادوا‏}‏ كأنه قال ومنهم لكن صرح بذكر اليهود من حيث الطائفة السماعة غير الطائفة التي تبدل التوراة على علم منها‏.‏ وقرأ جمهور الناس «سماعون»، وقرأ الضحاك «سماعين»، ووجهها عندي نصب على الذم على ترتيب من يقول لا يحزنك المسارعون من هؤلاء «سماعين»، وأما المعنى في قوله‏:‏ ‏{‏سماعون للكذب‏}‏ فيحتمل أن يكون صفة للمنافقين ولبني إسرائيل لأن جميعهم يسمع الكذب بعضهم من بعض ويقبلونه، ولذلك جاءت عبارة سماعهم في صيغة المبالغة، إذ المراد أنهم يقبلون ويستزيدون من ذلك المسموع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏للكذب‏}‏ يحتمل أن يريد ‏{‏سماعون للكذب‏}‏ ويحتمل أن يريد «سماعون منك أقوالك» من أجل أن يكونوا عليك وينقلوا حديثك ويزيدوا مع الكلمة أضعافها كذباً، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر «للكِذْب» بكسر الكاف وسكون الذل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سماعون لقوم آخرين‏}‏ يحتمل أن يريد يسمعون منهم، وذكر الطبري عن جابر أن المراد بالقوم الآخرين يهود فدك، وقيل يهود خيبر، وقيل أهل الزانيين، وقيل أهل الخصام في القتل والدية، وهؤلاء القوم الآخرون هم الموصوفون بانهم لم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون معنى ‏{‏سماعون لقوم‏}‏ بمعنى جواسيس مسترقين للكلام لينقلوه لقوم آخرين، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقون ويهود المدينة، وقيل لسفيان بن عيينة هل جرى للجاسوس ذكر في كتاب الله عز وجل، فقالوا نعم، وتلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏سماعون لقوم آخرين‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏41‏)‏‏}‏

قرأ جمهور الناس «الكِلم» بفتح الكاف وكسر اللام، وقرأ بعض الناس «الكِلْم» بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة ضعيفة في كلمة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يحرفون الكلم‏}‏ صفة لليهود فيما حرفوا من التوراة إذ ذاك أخطر أمر حرفوا فيه‏.‏ ويحتمل أن يكون صفة لهم وللمنافقين فيما يحرفون من الأقوال عند كذبهم، لأن مبادئ كذبهم لا بد أن تكون من أشياء قيلت أو فعلت، وهذا هو الكذب المزين الذي يقرب قبوله، وأما الكذب الذي لا يرفد بمبدأ فقليل الأثر في النفس، وقوله‏:‏ ‏{‏من بعد مواضعه‏}‏ أي من بعد أن وضع مواضعه وقصدت به وجوهه القويمة والإشارة بهذا قيل هي إلى التحميم والجلد في الزنا، وقيل‏:‏ هي إلى قبول الدية في أمر القتل، وقيل إلى إبقاء عزة النضير على قريظة، وهذا بحسب الخلاف المتقدم في الآية، ثم قال تعالى لنبيه على جهة قطع الرجاء فيهم ‏{‏ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً‏}‏ أي لا تتبع نفسك أمرهم، والفتنة هنا المحنة بالكفر والتعذيب في الآخرة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سبق لهم في علم الله ألا «يطهر قلوبكم» وأن يكونوا مدنسين بالكفر، ثم قرر تعالى «الخزي في الدنيا»‏.‏ والمعنى بالذلة والمسكنة التي انضربت عليهم في أقطار الأرض وفي كل أمة، وقرر لهم العذاب في الآخرة بكفرهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سماعون للكذب‏}‏ إن كان الأول في بني إسرائيل فهذا تكرار تأكيد ومبالغة، وإن كان الأول في المنافقين فهذا خبر أيضاً عن بني إسرائيل وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أكالون للسحت‏}‏ فعالون مبالغة بناء أي يتكرر أكلهم له ويكثر‏.‏ و«السحت» كل ما لا يحل كسبه من المال‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة «السحْت» ساكنة الحاء خفيفة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «السحُت» مضمومة الحاء مثقلة‏.‏ وروي عن خارجة بن مصعب عن نافع «السِّحْت» بكسر السين وسكون الحاء واللفظة مأخوذة من قولهم سحت وأسحت إذا استأصل وأذهب فمن الثلاثي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيسحتكم بعذاب‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 61‏]‏ ومن الرباعي قول الفرزدق‏:‏

إلا مسحتاً أو مجلف *** والسُّحْت والسُّحُت بضم السين وتخفيف الحاء وتثقيلها لغتان في اسم الشيء المسحوت، والسحْت بفتح السين وسكون الحاء المصدر، سمي به المسحوت كما سمي المصدي صيداً في قوله عز وجل ‏{‏لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 95‏]‏ وكما سمي المرهون رهناً، وهذا كثير‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فسمي المال الحرام سحتاً لأنه يذهب وتستأصله النوب، كما قال عليه السلام «من جمع مالاً من تهاوش أذهبه الله في نهابير»، وقال مكي سمي المال الحرام سحتاً لأنه يذهب من حيث يسحت الطاعات أي يذهب بها قليل قليلاً، وقال المهدوي من حيث يسحت أديانهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا مردود لأن السيئات لا تحبط الحسنات اللهم إلا أن يقدر أنه يشغل عن الطاعات فهو سحتها من حيث لا تعمل وأما طاعة حاصلة فلا يقال هذا فيها، وقال المهدوي سمي أجر الحجام سحتاً لأنه يسحت مروءة آخذه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا أشبه، أصل السحت كلب الجوع، يقال فلان مسحوت المعدة إذا كان لا يُلفى أبداً إلا جائعاً يذهب ما في معدته، فكان الذي يرتشي به من الشره ما بالجائع أبداً لا يشبع‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وذلك بأن الرشوة تنسحت، فالمعنى هو كما قدمناه، وفي عبارة الطبري بعض اضطراب لأن مسحوت المعدة هو مأخوذ من الاستئصال والذهاب، وليس كلب الغرث اصلاً للسحت، والسحت الذي عني أن اليهود يأكلونه هو الرشا في الأحكام والأوقاف التي تؤكل ويرفد أكلها بقول الأباطيل وخدع العامة ونحو هذا، وقال أبو هريرة وعلي بن أبي طالب‏:‏ مهر البغي سحت وعسب الفحل سحت وكسب الحجام سحت وثمن الكلب والخمر سحت، وقال ابن مسعود السحت أن يهدي لك من قد أعنته في حاجته أو حقه فتقبل، قيل لعبد الله ما كنا نعد السحت إلا الرشوة في الحكم قال‏:‏ ذلك الكفر، وقد روي عن ابن مسعود وجماعة كثيرة أن السحت هو الرشوة في الحكم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل يا رسول الله وما السحت‏؟‏ قال‏:‏ الرشوة في الحكم»‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وكل ما ذكر في معنى السحت فهو أمثلة، ومن أعظمها الرشوة في الحكم والأجرة على قتل النفس، وهو لفظ يعم كل كسب لا يحل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏}‏ تخير للنبي صلى الله عليه وسلم ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم، وقال عكرمة والحسن‏:‏ هذا التخيير منسوخ بقوله ‏{‏وأن احكم بينهم بما أنزل‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 49‏]‏ وقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ نسخ من المائدة آيتان، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا القلائد‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 2‏]‏ نسختها آية السيف وقوله‏:‏ ‏{‏أو أعرض عنهم‏}‏ نسختها ‏{‏وأن احكم بينهما بما أنزل الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 49‏]‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وفقه هذه الآية أن الأمة فيما علمت مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم ويتسلط عليهم في تغييره وينقر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم حبس السلع المبيعة وغصب المال وغير ذلك، فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر وإنما هي دعاوي محتملة وطلب ما يحل ولا يحل وطلب المخرج من الإثم في الآخرة فهي التي هو الحاكم فيها مخير، وإذا رضي به الخصمان فلا بد مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار، قاله ابن القاسم في العتبية، قال وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النازلة عندهم دون أن يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار نكير فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار رد ذلك الحكم وهل تستوي النوازل في هذا كالرجم في زانيين والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر‏؟‏ وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار أو يقنع بأن لم تقع منهم معارضته‏؟‏ ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراض عنهم وتركهم إلى دينهم وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن جاؤوك‏}‏ يعني أهل نازلة الزانيين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ثم الآية بعد تتناول سائر النوازل والله علم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 44‏]‏

‏{‏سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏(‏42‏)‏ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ‏(‏43‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

أمن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من ضررهم إذا أعرض عنهم وحقر في ذلك شأنهم، والمعنى أنك منصور ظاهر الأمر على كل حال، وهذا نحو من قوله تعالى للمؤمنين ‏{‏لن يضروكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 111‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن حكمت‏}‏ أي اخترت أن تحكم بينهم في نازلة ما ‏{‏فاحكم بينهم بالقسط‏}‏ أي بالعدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل وحكم بالحق وقسط إذا جار، ومنه قوله‏:‏ ‏{‏وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 15‏]‏ ومحبة الله للمقسطين ما يظهر عليهم من نعمه‏.‏

ثم ذكر الله تعالى بعد تحكيمهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالإخلاص منهم ويبين بالقياس الصحيح أنهم لا يحكمونه إلا رغبة في ميله في هواهم وانحطاطه في شهواتهم، وذلك أنه قال‏:‏ ‏{‏وكيف يحكمونك‏}‏ بنية صادقة وهم قد خالفوا حكم الكتاب الذي يصدقون به وبنبوة الآتي به وتولوا عن حكم الله فيها‏؟‏ فأنت الذي لا يؤمنون بك ولا يصدقونك أحرى بأن يخالفوا حكمك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من بعد ذلك‏}‏ أي من بعد حكم الله في التوراة في الرجم وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمر الله تعالى، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أولئك بالمؤمنين‏}‏ يعني بالتوراة وبموسى، وهذا إلزام لهم لأن من خالف حكم كتاب الله فدعواه الإيمان به قلقة‏.‏ وهذه الآية تقوي أن قوله في صدر الآية ‏{‏من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 41‏]‏ أنه يراد به اليهود‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أنزلنا التوراة‏}‏ الآية، قال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية، نحن اليوم نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان‏.‏ و«الهدى»‏:‏ الإرشاد في المعتقد والشرائع، و«النور»‏:‏ ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها، و‏{‏النبيون الذين أسلموا‏}‏ هم من بعث من لدن موسى بن عمران إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، هذان طرفا هذه الجماعة المذكورة في هذه الآية و‏{‏أسلموا‏}‏ معناه أخلصوا وجوههم ومقاصدهم لله تعالى‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏للذين هادوا‏}‏ متعلق ب ‏{‏يحكم‏}‏ أي يحكمون بمقتضى التوراة لبني إسرائيل وعليهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الربانيون‏}‏ عطف على «النبيين» أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء، وفي البخاري قال «الرباني» الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل «الرباني» منسوب إلى الرب أي عنده العلم به وبدينه، وزيدت النون في «رباني» مبالغة كما قالوا منظراني ومخبراني وفي عظيم الرقبة رقباني، والأحبار أيضاً العلماء واحدهم حِبر بكسر الحاء، ويقال بفتحها وكثر استعمال الفتح فيه للفرق بينه وبين الحبر الذي يكتب به‏.‏ وقال السدي المراد هنا «بالربانيين والأحبار» الذين يحكمون بالتوراة ابنا صوريا كان أحدهم ربانياً والآخر حبراً‏.‏

وكانوا قد أعطوا النبي صلى الله عليه وسلم عهداً أن لا يسألهما عن شيء من أمر التوراة إلا أخبراه به، فسألهما عن آية الرجم فأخبراه به على وجهه فنزلت الآية مشيرة إليهما‏.‏

قال القاضي ابو محمد‏:‏ وفي هذا نظر، والرواية الصحيحة أن ابني صوريا وغيرهم جحدوا أمر الرجم وفضحهم فيه عبد الله بن سلام، وإنما اللفظ عام في كل حبر مستقيم فيما مضى من الزمان، وأما في مدة محمد صلى الله عليه وسلم فلو وجد لأسلم فلم يسم حبراً ولا ربانياً‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بما استحفظوا‏}‏ أي بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم أمر التوراة وأخذه العهد عليهم في العمل والقول بها وعرفهم ما فيها فصاروا شهداء عليه، وهؤلاء ضيعوا لما استحفظوا حتى تبدلت التوراة، والقرآن بخلاف هذا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنا له لحافظون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 9‏]‏ والحمد لله‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تخشوا الناسَ واخشون‏}‏ حكاية ما قيل لعلماء بني إسرائيل‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً‏}‏ نهي عن جميع المكاسب الخبيثة بالعلم والتحيل للدنيا بالدين‏.‏ وهذا المعنى بعينه يتناول علماء هذه الأمة وحكامها ويحتمل أن يكون قوله فلا تخشوا الناس إلى آخر الآية خطاباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم واختلف العلماء في المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ فقالت جماعة‏:‏ المراد اليهود بالكافرين والظالمين والفاسقين، وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البراء بن عازب‏.‏ وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله‏.‏ ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان‏.‏ وقيل لحذيفة بن اليمان أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل‏؟‏ فقال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل ان كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة لتسلكن طريقهم قد الشراك‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ نزلت ‏{‏الكافرون‏}‏ في المسلمين و‏{‏الظالمون‏}‏ في اليهود و‏{‏الفاسقون‏}‏ في النصارى‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولا أعلم بهذا التخصيص وجهاً إلا إن صح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه راعى من ذكر مع كل خبر من هذه الثلاثة فلا يترتب له ما ذكر في المسلمين إلا على أنهم خوطبوا بقوله‏:‏ ‏{‏فلا تخشوا الناس‏}‏ وقال إبراهيم النخعي‏:‏ نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ثم رضي لهذه الأمة بها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

«الكتب» في هذه الآية هو حقيقة كتب في الألواح، وهو بالمعنى كتب فرض وإلزام، والضمير في ‏{‏عليهم‏}‏ لبني إسرائيل وفي ‏{‏فيها‏}‏ للتوراة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ‏{‏أن النفس بالنفس‏}‏ بنصب النفس على اسم ‏{‏أن‏}‏ وعطف ما بعد ذلك منصوباً على ‏{‏النفس‏}‏ ويرفعون «والجروحُ قصاص» على أنها جملة مقطوعة‏.‏ وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصب ذلك كله‏.‏ و‏{‏قصاص‏}‏ خبر ‏{‏أن‏}‏ وروى الواقدي عن نافع أنه رفع «والجروحُ» وقرأ الكسائي «أن النفسَ بالنفس» نصباً ورفع ما بعد ذلك، فمن نصب «والعينَ» جعل عطف الواو مشركاً في عمل «أن» ولم يقطع الكلام مما قبله‏.‏ ومن رفع «والعينُ» فيتمثل ذلك من الأعراب أن يكون قطع مما قبل، وصار عطف الواو عطف جملة كلام لا عطف تشريك في عامل، ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على المعنى لأن المعنى لأن معنى قوله‏:‏ ‏{‏وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس‏}‏ قلنا لهم النفس بالنفس ومثله لما كان المعنى في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يطاف عليهم بكأس من معين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 45‏]‏ يمنحون كأساً من معين عطف وحوراً عيناً على ذلك، ويحتمل أن يعطف قوله ‏{‏والعين‏}‏ على الذكر المستتر في الطرق الذي هو الخبر وإن لم يؤكد المعطوف عليه بالضمير المنفصل كما أكد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنه يراكم هو قبيلة من حيث لا ترونهم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 27‏]‏ وقد جاء مثله غير مؤكد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أشركنا ولا آباؤنا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 148‏]‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولسيبويه رحمه الله في هذه الآية أن العطف ساغ دون توكيد بضمير منفصل لأن الكلام طال ب ‏{‏لا‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏ولا آباؤنا‏}‏ فكانت ‏{‏لا‏}‏ عوضاً من التوكيد كما طال الكلام في قولهم حضر القاضي اليوم امرأة، قال ابو علي‏:‏ وهذا إنما يستقيم أن يكون عوضاً إذا وقع قبل حرف العطف فهناك يكون عوضاً من الضمير الواقع قبل حرف العطف، فأما إذا وقع بعد حرف العطف فلا يسد مسد الضمير، ألا ترى أنك قلت حضر امرأة القاضي اليوم لم يغن طول الكلام في غير الموضع الذي ينبغي أن يقع فيه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وكلام سيبويه متجه على النظر النحوي وإن كان الطول قبل حرف العطف أتم فإنه بعد حرف العطف مؤثر لا سيما في هذه الآية، لأن ‏{‏لا‏}‏ ربطت المعنى إذ قد تقدمها نفي ونفت هي أيضاً عن الآباء فتمكن العطف، قال أبو علي ومن رفع «والجروحُ قصاص» فقطعه مما قبله فإن ذلك يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي احتملها رفع والعين، ويجوز أن يستأنف والجروح ليس على أنه مما كتب عليهم في التوراة، لكن على استئناف إيجاب وابتداء شريعة‏.‏

ويقوي أنه من المكتوب عليهم نصب من نصبه‏.‏ وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ «أنْ النفسُ بالنفس» بتخفيف «أن» ورفع «النفسُ» ثم رفع ما بعدها إلى آخر الآية‏.‏ وقرأ أبيّ بن كعب بنصب «النفس» وما بعدها ثم قرأ‏:‏ «وأن الجروح قصاص» بزيادة «أن» الخفيفة ورفع «الجروحُ»‏.‏

ومعنى هذه الآية الخبر بأن الله تعالى كتب فرضاً على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً فيجب في ذلك أخذ نفسه ثم هذه الأعضاء المذكورة كذلك ثم استمر هذا الحكم في هذه الأمة بما علم من شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه‏.‏ ومضى عليه إجماع الناس، وذهب قوم من العلماء إلى تعميم قوله‏:‏ ‏{‏النفس بالنفس‏}‏ فقتلوا الحر بالعبد والمسلم بالذمي، والجمهور على أنه عموم يراد به الخصوص في المتماثلين‏.‏ وهذا مذهب مالك وفيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يقتل مسلم بكافر» وقال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ رخص الله لهذه الأمة ووسع عليها بالدية ولم يجعل لبني إسرائيل دية فيما نزل على موسى وكتب عليهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفي هذه الآية بيان لفساد فعل بني إسرائيل في تعزر بعضهم على بعض وكون بني النضير على الضعف في الدية من بني قريظة أو على أن لا يقاد بينهم بل يقنع بالدية، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية وأعلم أنهم حالفوا كتابهم، وحكى الطبري عن ابن عباس‏:‏ كان بين حيين من الأنصار قتال فصارت بينهم قتلى وكان لأحدهما طول على الآخر فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الحر بالحر والعبد بالعبد‏.‏ قال الثوري‏:‏ وبلغني عن ابن عباس أنه قال ثم نسختها ‏{‏النفس بالنفس‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والجروح قصاص‏}‏ هو عموم يراد به الخصوص في جراح القود، وهي التي لا يخاف منها على النفس، فأما ما خيف منه كالمأمومة وكسر الفخذ ونحو ذلك فلا قصاص فيها‏.‏ و«القصاص» مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه‏.‏ فكأن الجاني يقتص أثره ويتبع فيما سنه فيقتل كما قتل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن تصدق به فهو كفارة له‏}‏ يحتمل ثلاثة معان، أحدها أن تكون «من» للجروح أو ولي القتيل‏.‏ ويعود الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏له‏}‏ عليه أيضاً، ويكون المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ذلك العفو كفارة له عن ذنوبه ويعظم الله أجره بذلك ويكفر عنه، وقال بهذا التأويل عبد الله بن عمر وجابر بن زيد وأبو الدرداء وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله بذلك درجة وحط عنه خطيئة، وذكر مكي حديثاً من طريق الشعبي أنه يحط من ذنوبه بقدر ما عفا من الدية والله أعلم‏.‏

وقال به أيضاً قتادة والحسن، والمعنى الثاني أن تكون «من» للجروح أو ولي القتيل، والضمير في ‏{‏له‏}‏ يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه وصح عنه‏:‏ فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم له ذكر لأن المعنى يقتضيه، قال بهذا التأويل ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وإبراهيم وعامر الشعبي وزيد بن أسلم، والمعنى الثالث أن تكون للجارح أو القاتل والضمير في ‏{‏له‏}‏ يعود عليه أيضاً، والمعنى إذا جنى جان فجهل وخفي أمره فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه فذلك الفعل كفارة لذنبه، وذهب القائلون بهذا التأويل إلى الاحتجاج بأن مجاهداً قال إذا أصاب رجل رجلاً ولم يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب فهو كفارة للمصيب، وروي أن عروة بن الزبير أصاب عين إنسان عند الركن وهم يستلمون فلم يدر المصاب من أصابه فقال له عروة أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير‏.‏ فإن كان بعينك بأس فإنها بها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وانظر أن ‏{‏تصدق‏}‏ على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدقة ومن الصدق، وذكر مكي بن أبي طالب وغيره أن قوماً تأولوا الآية أن المعنى ‏{‏والجروح قصاص‏}‏ فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تأويل قلق‏.‏ وقد تقدم القول على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله‏}‏ الآية‏.‏ وفي مصحف أبيّ بن كعب «ومن يتصدق به فإنه كفارة له»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 48‏]‏

‏{‏وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏46‏)‏ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏47‏)‏ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏قفينا‏}‏ تشبيه كأن مجيء عيسى كان من قفاء مجيء النبيين وذهابهم، والضمير في ‏{‏آثارهم‏}‏ للنبيين المذكورين في قوله‏:‏ ‏{‏يحكم بها النبيون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏ و‏{‏مصدقاً‏}‏ حال مؤكدة و‏{‏التوراة‏}‏ بين يدي عيسى لأنها جاءت قبله كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة، وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع، و‏{‏الإنجيل‏}‏ اسم أعجمي ذهب به مذهب الاشتقاق من نجل إذا استخرج وأظهر، والناس على قراءته بكسر الهمزة إلا الحسن بن أبي الحسن فإنه قرأ «الأنجيل» بفتح الهمزة، وقد تقدم القول على ذلك في أول سورة آل عمران‏.‏ و«الهدى» الإرشاد والدعاء إلى توحيد الله وإحياء أحكامه‏.‏ و«النور» ما فيه مما يستضاء به‏.‏ و‏{‏مصدقاً‏}‏ حال مؤكدة معطوفة على موضع الجملة التي هي فيه هدى فإنها جملة في موضع الحال‏.‏ وقال مكي وغيره‏:‏ ‏{‏مصدقاً‏}‏ معطوف على الأول‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفي هذا قلق من جهة اتساق المعاني‏.‏ وقرأ الناس «وهدىً وموعظةً» بالنصب‏.‏ وذلك عطف على ‏{‏مصدقاً‏}‏ وقرأ الضحاك «وهدى وموعظةٌ» بالرفع وذلك متجه‏.‏ وخص «المتقين» بالذكر لأنهم المقصود به في علم الله وإن كان الجميع يدعى ويوعظ ولكن ذك على غير المتقين عمى وحيرة‏.‏

وقرأ أبيّ بن كعي «وأن ليحكم» بزيادة أن‏.‏ وقرأ حمزة وحده «ولِحكمَ» بكسر اللام وفتح الميم على لام كي ونصب الفعل بها، والمعنى وآتيناه الإنجيل ليتضمن الهدى والنور والتصديق ليحكم أهله بما أنزل الله فيه، وقرأ باقي السبعة «ولْيحكم» بسكون اللام التي هي لام الأمر وجزم الفعل‏.‏ ومعنى أمره لهم بالحكم أي هكذا يجب عليهم‏.‏ وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما أنزل الله‏.‏ ومن القراء من يكسر لام الأمر ويجزم الفعل وقد تقدم نظير هذه الآية، وتقريره هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل الله هو على جهة التأكيد وأصوب ما يقال فيها أنها تعم كل مؤمن وكل كافر، فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم وجوهه، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية وظلمها وفسقها‏.‏

وأخبر تعالى بعد بنزول هذا القرآن، وقوله‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ يحتمل أن يريد مضمناً الحقائق من الأمور فكأنه نزل بها، ويحتمل أن يريد أنه أنزله بأن حق ذلك لا أنه وجب على الله ولكن حق في نفسه وأنزله الله تعالى صلاحاً لعباده، وقوله‏:‏ ‏{‏من الكتاب‏}‏ يريد من الكتب المنزلة‏.‏ فهو اسم جنس، واختلفت عبارة المفسرين في معنى «مهيمن»‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏مهيمناً‏}‏ شاهداً‏.‏ وقال أيضاً مؤتمناً‏.‏

وقال ابن زيد‏:‏ معناه مصدقاً، وقال الحسن بن أبي الحسن أميناً، وحكى الزجاج رقيباً ولفظة المهيمن أخص من هذه الألفاظ، لأن المهيمن على الشيء هو المعنيّ بأمره الشاهد على حقائقه الحافظ لحاصله ولأن يدخل فيه ما ليس منه والله تبارك وتعالى هو المهيمن على مخلوقاته وعباده، والوصي مهيمن على محجوريه وأموالهم، والرئيس مهيمن على رعيته وأحوالهم، والقرآن جعله الله مهيمناً على الكتب يشهد بما فيها من الحقائق وعلى ما نسبه المحرفون إليها فيصحح الحقائق ويبطل التحريف، وهذا هو شاهد ومصدق ومؤتمن وأمين، و«مهيمن» بناء اسم فاعل، قال أبو عبيدة‏:‏ ولم يجئ في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة أحرف‏.‏ وهي مسيطر ومبيطر ومهيمن ومجيمر‏.‏ وذكر أبو القاسم الزجّاج في شرحه لصدر أدب الكتاب ومبيقر‏.‏ يقال بيقر الرجل إذا سار من الحجاز إلى الشام ومن أفق إلى أفق، وبيقر أيضاً لعب البيقرا وهي لعب يلعب بها الصبيان، وقال مجاهد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومهيمناً عليه‏}‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم هو مؤتمن على القرآن‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وغلط الطبري رحمه الله في هذه الألفاظ على مجاهد فإنه فسر تأويله على قراءة الناس «مهيمِناً» بكسر الميم الثانية فبعد التأويل ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن «ومهيمَناً» عليه بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول‏.‏ وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله‏:‏ ‏{‏مصدقاً‏}‏ وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم و‏{‏عليه‏}‏ في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله‏.‏ هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي رحمه الله، وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد رحمه الله‏:‏ «مهيمن» أصله «مويمن» بني من أمين، وأبدلت همزته هاء كما قالوا أرقت الماء وهرقته، قال الزجاج‏:‏ وهذا حسن على طريق العربية، وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى «مهيمن» مؤتمن، وحكى ابن قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه، فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلباً فقال‏:‏ إن ما قال ابن قتيبة رديء، وقال هذا باطل، والوثوب على القرآن شديد وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف وإنما جمع الكتب، انتهى كلام ثعلب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويقال من مهيمن هيمن الرجل على الشيء إذا حفظه وحاطه وصار قائماً عليه أميناً، ويحتمل أن يكون ‏{‏مصدقاً ومهيمناً‏}‏ حالين من الكاف في ‏{‏إليك‏}‏‏.‏ ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي‏.‏ قال بعض العلماء هذه ناسخة لقوله‏:‏ ‏{‏أو أعرض عنهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 42‏]‏ وقد تقدم ذكر ذلك‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ إنه ليس بنسخ، وإن المعنى فإن اخترت ان تحكم ‏{‏فاحكم بينهم بما أنزل الله‏}‏ ثم حذر تعالى نبيه من اتباع أهوائهم أي شهواتهم وإرادتهم التي هي هوى وسول للنفس، والنفس أمّارة بالسوء فهواها مرد لا محالة، وحسن هنا دخول عن في قوله‏:‏ ‏{‏عما جاءك من الحق‏}‏ لما كان الكلام بمعنى لا تنصرف أو لا تزحزح بحسب أهوائهم عما جاءك‏.‏

واختلف المتأولون في معنى قوله عز وجل ‏{‏لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً‏}‏ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتادة وجمهور المتكلمين‏:‏ المعنى «لكل أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجاً» أي لليهود شرعت ومنهاج وللنصارى كذلك وللمسلمين كذلك‏.‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عدداً من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ‏{‏أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 90‏]‏ فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها ‏{‏لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً‏}‏ قال القاضي أبو محمد‏:‏ والتاويل الأول عليه الناس‏.‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله‏:‏ ‏{‏لكل جعلنا منكم‏}‏ الأمم كما قدمنا‏.‏ ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم، وتجيء الآية مع هذا الاحتمال في الأنبياء تنبيهاً لمحمد صلى الله عليه وسلم أي فاحفظ شرعتك ومنهاجك لئلا يستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه، والمتأولون على أن الشرعة والمنهاج في هذه الآية لفظان بمعنى واحد، وذلك أن الشرعة والشريعة هي الطريق إلى الماء وغيره مما يورد كثيراً فمن ذلك قول الشاعر‏:‏

وفي الشرائع من جلان مقتنص *** بالي الثياب خفيّ الصوت مندوب

أراد في الطريق إلى المياه، ومنه الشارع وهي سكك المدن، ومنه قول الناس وفيها يشرع الباب، والمنهاج أيضاً الطريق، ومنه قول الشاعر‏:‏

ومن يك في شك فهذا نهج *** ماء رواه وطريق نهج

أراد واضحاً والمنهاج بناء مبالغة في ذلك، وقال ابن عباس وغيره‏:‏ ‏{‏شرعة ومنهاجاً‏}‏ معناه سبيلاً وسنة‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ ويحتمل لفظ الآية أن يريد بالشرعة الأحكام، وبالمنهاج المعتقد أي وهو واحد في جميعكم، وفي هذا الاحتمال بعد، والقراء على «شِرعة» بكسر الشين وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب «شَرعة» بفتح الشين، ثم أخبر تعالى بأنه لو شاء لجعل العالم أمة واحدة ولكنه لم يشأ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع، كذا قال ابن جريج وغيره، فليس لهم إلا أن يجدّوا في امتثال الأوامر وهو استباق الخيرات، فلذلك أمرهم بأحسن الأشياء عاقبة لهم، ثم حثهم تعالى بالموعظة والتذكير بالمعاد في قوله ‏{‏إلى الله مرجعكم جميعاً‏}‏ والمعنى فالبدار البدار، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون‏}‏ معناه يظهر الثواب والعقاب فتخبرون به إخبار وإيقاع، وإلا فقد نبأ الله في الدنيا بالحق فيما اختلفت الأمم فيه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه الآية بارعة الفصاحة جمعت المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، وكل كتاب الله كذلك، إلا أنا بقصور أفهامنا يبين في بعض لنا أكثر مما يبين في بعض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 50‏]‏

‏{‏وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ‏(‏49‏)‏ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏وأن احكم‏}‏ معطوف على ‏{‏الكتاب‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏وأنزلنا إليك الكتاب‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏، وقال مكي‏:‏ وهو معطوف على «الحق» في قوله‏:‏ ‏{‏وأنزلنا إليك الكتاب بالحق‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏، والوجهان حسنان، ويقرأ بضم النون من «أنُ احكم» مراعاة للضمة في عين الفعل المضارع، ويقرأ بكسرها على القانون في التقاء الساكنين، وهذه الآية ناسخة عند قوم للتخيير الذي في قوله ‏{‏أو أعرض عنهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 42‏]‏ وقد تقدم ذكر ذلك، ثم نهاه تعالى عن اتباع أهواء بني إسرائيل إذ هي مضلة، والهوى في الأغلب إنما يجيء عبارة عما لا خير فيه، وقد يجيء أحياناً مقيداً بما فيه خير، من ذلك قول عمر بن الخطاب في قصة رأيه ورأي أبي بكر في أسرى بدر‏:‏ فهوى رسول الله رأي أبي بكر، ومنه قول عمر بن عبد العزيز وقد قيل له ما ألذ الأشياء عندك‏؟‏ قال‏:‏ حق وافق هوى، والهوى مقصور ووزنه فعل، ويجمع على أهواء، والهواء ممدود ويجمع على أهوية، ثم حذر تبارك وتعالى من جهتهم «أن يفتنوه» أي يصرفوه بامتحانهم وابتلائهم عن شيء مما أنزل الله عليه من الأحكام، لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مراراً احكم لنا في نازلة كذا بكذا ونتبعك على دينك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن تولوا‏}‏ قبله محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر، تقديره لا تتبع واحذر، فإن حكموك مع ذلك واستقاموا فنعما ذلك وإن تولوا فاعلم، ويحسن أن يقدر هذا المحذوف المعادل بعد قوله ‏{‏الفاسقون‏}‏، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعلم‏}‏ الآية وعد للنبي صلى الله عليه وسلم فيهم، وقد أنجزه بقصة بني قينقاع وقصة قريظة والنضير وإجلاء عمر أهل خيبر وفدك وغيرهم، وخصص تعالى إصابتهم ببعض الذنوب دون كلها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا وذنوبهم فيها نوعان‏:‏ نوع يخصهم كشرب الخمر ورباهم ورشاهم ونحو ذلك، ونوع يتعدى إلى النبي والمؤمنين كمعاملاتهم للكفار وأقوالهم في الدين، فهذا النوع هو الذي يوجد إليهم السبيل وبه هلكوا وبه توعدهم الله في الدنيا، فلذلك خصص البعض دون الكل، وإنما يعذبون بالكل في الآخرة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كثيراً من الناس لفاسقون‏}‏ إشارة إليهم لكن جاءت العبارة تعمهم وغيره ليتنبه سواهم ممن كان على فسق ونفاق وتولٍّ عن النبي عليه السلام فيرى أنه تحت الوعيد‏.‏

واختلف القراء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفحكم الجاهلية يبغون‏}‏ فقرأ الجمهور بنصب الميم على إعمال فعل ما يلي ألف الاستفهام بينه هذا الظاهر بعد، وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج «أفحكُم» برفع الميم، قال ابن مجاهد‏:‏ وهي خطأ، قال أبو الفتح‏:‏ ليس كذلك ولكنه وجه غيره أقوى منه‏.‏

وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم‏:‏

قد أصبحت أم الخيار تدعي *** عليَّ ذنباً كلُّه لم اصنع

برفع كلّ‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب، ولو نصب «كل» لكان ظاهر قوله إنه صنع بعضه، وهذا هو حذف الضمير من الخبر وهو قبيح، التقدير يبغونه ولم أصنع، وإنما يحذف الضمير كثيراً من الصلة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أهذا الذي بعث الله رسولاً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 41‏]‏، وكما تقول مررت بالذي أكرمت، ويحذف أقل من ذلك من الصفة، وحذفه من الخبر قبيح كما جاء في بيت أبي النجم، ويتجه بيته بوجهين‏:‏ أحدهما أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام يطلب الفعل كما هي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفحكم‏}‏ والثاني أن في البيت عوضاً من الهاء المحذوفة، وذلك حرف الإطلاق أعني الياء في اصنعي فتضعف قراءة من قرأ «أفحكمُ» بالرفع لأن الفعل بعده لا ضمير فيه ولاعوض من الضمير، وألف الاستفهام التي تطلب الفعل ويختار معها النصب وإن لفظ بالضمير حاضرة، وإنما تتجه القراءة على أن يكون التقدير أفحكم الجاهلية حكم يبغون فلا تجعل يبغو خبراً بل تجعله صفة خبر يحرفون فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، ومثله قول الشاعر‏:‏

وما الدهر إلا تارتان فمنهما *** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

وقرأ سليمان بن مهران «أفحَكَمَ» بفتح الحاء والكاف والميم وهو اسم جنس، وجاز إضافة اسم الجنس على نحو قولهم منعت العراق قفيزها ودرهمها ومصر أردبها، وله نظائر‏.‏

وقال القاضي أبو محمد‏:‏ فكأنه قال أفحكام الجاهلية يبغون‏؟‏ إشارة إلى الكهان الذين كانوا يأخذون الحلوان ويحكمون بحسبه وبحسب الشهوات، ثم ترجع هذه القراءة بالمعنى إلى الأولى لأن التقدير ‏{‏أفحكم الجاهلية‏}‏، وقرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم‏.‏ وباقي السبعة «يبغون» بالياء من تحت، و‏{‏يبغون‏}‏ معناه يطلبون ويريدون، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أحسن من الله حكماً‏}‏ تقرير أي لا أحد أحسن منه حكماً تبارك وتعالى وحسن دخول اللام في قوله‏:‏ ‏{‏لقوم‏}‏ من حيث المعنى يبين ذلك ويظهر لقوم يوقنون‏.‏